ابن قاسم الحسيني العاملي ( العيناثي )
317
المواعظ العددية أحاديث وحكم ومواعظ تبدأ بالآحاد وتنتهي بالإثنى عشر
وقال بعض البلغاء : الزم الصمت فإنه جار يكسبك صفو المحبة ويؤمنك سوء المغبة ، ويكسيك نور الوقار ويكفيك مؤنة الاعتذار . وقال بعض الفصحاء : إعقل لسانك إلّا عن حق توضحه ، أو باطل تدحضه ، أو حكمة تنشرها ، أو نعمة تشكرها . وقال الشاعر : وما حسن الرجال لهم بحسن * إذا لم يسعد الحسن البيان كفى بالمرء عيبا أن تراه * له وجه وليس له لسان واعلم أن للكلام شروطا لا يسلم المتكلم من الزلل إلّا بها ولا يعرى عن النقص إلّا أن يستودعها ، وهي أربعة : الأول أن يكون الكلام لداع يدعو إليه إما في اجتلاب نفع أو دفع ضرر ، الثاني : أن يأتي به في موضعه ، الثالث : أن يقتصر منه على قدر حاجته ، الرابع : أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به ، فهذه أربعة شروط متى أخلّ المتكلم بشرط منها فقد أوهن باقيها ، وسنذكر تفصيلها في التكلم ، وهو الداعي إلى الكلام ، فإن مالا داعي إليه هذيان ، وما لا سبب له هجر ، ومن تكلم ولم يراع صحة دواعيه وإصابة معانيه كان قوله مرذولا ورأيه معلولا وقال بعض الحكماء : عقل المرء مبخوء تحت لسانه لا تحت طيلسانه . وقال بعض البلغاء : إحبس لسانك قبل أن يطيل حبسك أو يتلف نفسك . وروي أن أعرابيا تكلم عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فقال له : كم دون لسانك من حجاب ؟ فقال : شفتان وأسنان ، قال صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « فإن اللّه ( تعالى ) يكره الانطلاق في الكلام ، فنظر اللّه وجه امرئ ، أوجز في كلامه واقتصر على حاجته » . وحكي أن بعض العلماء رآى رجلا يكثر الكلام ويقل السكوت ، فقال له : إن اللّه ( تعالى ) إنما خلق لك أذنين ولسانا واحدا ليكون ما تسمعه ضعف ما تتكلم به . وقال بعض الحكماء : من كثر كلامه كثرت آثامه . وقال بعض البلغاء : يستدل على عقل الرجل بقوله وعلى أصله بفعله ، وقد روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال : كلام ابن آدم كله عليه لا له إلّا أمر بمعروف أو نهي عن منكر أو ذكر اللّه ( تعالى ) . وروي عن عبد اللّه بن عباس أنه قسم وجوه التفسير على أربعة أقسام : تفسير لا يعذر أحد بجهالته ، وتفسير تعرفه العرب بكلامها ، وتفسير يعرفه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلّا اللّه ( عزّ وجلّ ) ، فأما الذي لا يعذر أحد بجهالته فهو ما يلزم الكافة من